أبو علي مصطفى: مسيرة عطاء.. وسيرة عطرة



يقول غسان كنفاني في قصة "المدفع": "كم هو بشع الموت، وكم هو جميل أن يختار الإنسان القدر الذي يريد".


اختار أبو علي مصطفى قدره عندما اختار طريق النضال، أن يكون حيث يؤمن ويقتنع، حيث اللهب ومتطلبات النضال، حتى لو كلفه ذلك حياته. ولأن أبو علي اختار قدره فقد اختاره القدر ليكون قائدا قدوة في النضال والتضحية.


إذا كان الإنسان هو مجموع صفاته، فيمكن القول عن الشهيد القائد أبو علي مصطفى أنه تحلى بالصفات التالية: الصدق، البساطة والتواضع والتقشف والابتعاد عن الاستعراض، المواجهة، الشجاعة، المبدأية والدفاع عن القناعات والمواقف...


أبو على مصطفى مسيرة وسيرة، مسيرة طويلة من النضال والعطاء والتضحية تكللت بالشهادة، وسيرة نبيلة وعطرة جعلته يتبوأ مكانة كبيرة في التاريخ الوطني الفلسطيني وفي قلوب الفلسطينيين، ويكون علامة بارزة في العطاء والفداء.


لقد تم اغتيال أبو علي مصطفى وهو في مكتبه في مدينة البيرة بواسطة صواريخ موجهة من طائرات الأباتشي الأمريكية الصنع، وبقرار من أعلى المستويات السياسية والأمنية والعسكرية الصهيونية.


أبو علي مصطفى، منذ طفولته إلى شبابه إلى كهولته، منذ ولادته إلى مماته، إنسان طلع من قلب الشعب، كان شعببياً لا نخبوياً، يجمع بين اللطافة في التعامل والحزم في المواقف، صاحب نكتة لكنه قابل للغضب إزاء الظلم والعوج والانتهاكات. درس المرحلة التعليمية الأولى، لكنه تعلم على نفسه وكان قارئاً ممتازاً ومثابراً، ما جعله يمتلك ثقافة واسعة وعميقة ومتنوعة. وعندما كان نائباً للأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثم أميناً عاماً لها، كان ذلك عن جدارة واستحقاق، نضالياً وتنظيمياً وثقافياً.


أبو علي مصطفى هو من القلة القليلة من القادة الذين يتصفون بالمحبة والاحترام والهيبة. وعندما وُلد في عرابة عام 1938 ودفن في ترابها عام 2001، بعد 63 عاماً من الكدح والكفاح والعطاء، في صفوف الشعب وفي صفوف المناضلين، في الوطن.. في المنافي.. ثم في الوطن، فإنه لم يفعل سوى أن خاض رحلة إنساني حقيقي، غاية في البساطة والانسجام: من الجذور.. إلى الجذور!
[/size]من أقوال الشهيد أبو علي مصطفى
(بعد عودته إلى أرض الوطن)


- "في تجربتنا كان هناك صلة دائمة مع الوطن ولاشك أن رفاقنا كانوا دائماً حريصين على أن ينقلوا لنا الصورة بكل زواياها، لكن هناك فرقا بين أن ترى صورة الإنسان وبين أن ترى الإنسان نفسه".


- "هذا الجيل كبر ونما وأصبحت له تجربته الخاصة، ليس من موقع التناقض مع تجربتنا، ولكن من موقع الإغناء، في مشهد الانتفاضة كان هناك إبداعات لم تبتدعها قيادة الثورة في م.ت.ف، تمثلت في وضع قوانين علاقات اجتماعية ليست مكتوبة، ولكنها قوانين ثورية شعبية في نظم العلاقات العامة، وفي التضامن الاجتماعي، وفي مسائل عديدة أخرى، نبعت من واقع التجربة نفسها".


- "لقد قرأت عن الاستيطان كثيراً، لكني لم أكن أتصور أنه على هذه الأرض كما رأيته بعينّي، كل من يقرأ عن الاستيطان لا يستطيع أن يقدّر المشهد الحقيقي الذي هو في غاية الخطورة، ليس فقط على مصير الأرض، ولكن على مصير الشعب الفلسطيني بأسره، وهو مشهد ذو طبيعة استراتيجية في العقل الصهيوني".


- "أنا مقتنع قناعة تامة، ودون مزايدة على أحد أنّ الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني هو صراع مصيري تناحري ولا يمكن إزالته إلاّ ذا امتلكنا قوة وطاقة الفعل الوطني على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقتالية، ولابد أن نفكر تفكيراً أشمل، فالاستراتيجية - كما نراها -لا تنبني على ركيزة واحدة، بل على مرتكزات سياسية برنامجية سليمة، ومرتكزات اقتصادية متينة قادرة على إدامة الصراع، ومرتكزات مجتمعية تنظيمية جيدة، وعلى مرتكزات امتلاك الحق في مقاومة الاحتلال. من قال أنّ هناك شعبا في العالم يقع تحت الاحتلال، ويريد أنّ يعالج قضيته بتطييب الخواطر؟ هذا لا يحدث أبداً".


- "نحن نحتاج إلى مراجعة سياسية شاملة، تضمن استقراء كيفية فهم العدو، بموضوعية. وهذا يتطلب شجاعة في نقد الذات والمساءلة".
قالوا في أبو علي مصطفى..
- "إننا أمام ذكرى أليمة وحزينة، ولكننا بالمقابل أمام ذكرى رجل، كرّس جلّ حياته للنضال من أجل شعبه، من أجل وطنه وقضيته، من أجل الفقراء والمحرومين، ومن أجل الحق والعدالة والكرامة الوطنية. إننا أمام رجل كرس جُلَ حياته ، لوضع القيم والمُثل السياسية والفكرية والأخلاقية والإنسانية موضع التنفيذ. أبو علي الفلسطيني القومي العربي الأممي بدأ مسيرته محارباً من أجل تحرير وطنه من الاحتلال الصهيوني، واستشهد محارباً على أرض الوطن". الرفيق جورج حبش (الحكيم) مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في الذكرى الأولى لاستشهاد الرفيق أبو علي مصطفى.


- "أيها القائد الذي اختار هو مكان استشهاده. فأرض الوطن هي الأكثر دفئاً، وهي التي تحول جثمان الشهيد إلى آلاف ومئات آلاف البنادق، وإلى ملايين حبوب الحنطة، وزهور الليمون". الشهيد جورج حاوي


- "إنه أول أمين عام يستشهد فوق أرض فلسطين. قبله، خارج أرضه، سقط فتحي الشقاقي بنبل وفروسية. أما أبو علي مصطفى فها هو يسقط اليوم متسربلا بالكرامة والغضب معا، بعدما أمضى في مقارعة السجون والأسلاك الشائكة نحو خمس وأربعين سنة متواصلة". صقر أبو فخر


- "ذلك الإنسان الكريم، والفلسطيني النموذجي انتهى كما أراد. ولم يصل إلى ما أراد أن يصل إليه، إلا لأنه كان إنساناً حقيقياً، قبل أن يكون فلسطينياً يحفظ، عن ظهر قلب، مفردات الشرف والكرم والعدالة، ويحوّل المفردات كلها إلى مقاومة وطنية، تبدأ بفلسطين، وتنتهي إلى أحلام أخرى". فيصل دراج


- "كان أبو علي مصطفى رمزاً من رموز الثورة الخالدة، وكان مثالاً وقدوة في الإخلاص والتضحية والتفاني والإقدام والشجاعة، وكان ومازال يمثل بمسيرته الكفاحية واستشهاده شعلة للفجر القادم، فجر الحرية والاستقلال". يحيى يخلف
- "يقينا أن الرجل الذي انهمك في العمل العام، سريّة وعلنية، مذ كان فتى، قد بقي في مركز الخطر منذ البداية. ويقينا أيضا، أن الخطر على حياة الرجل قد اشتد، منذ عودته الأخيرة إلى أرض الوطن في العام 1999، ثم اشتد أكثر مع اشتعال الانتفاضة وانهماكه في نشاطاتها. الرجل المشهور بمثابرته على العمل، منذ الصباح الباكر حتى آخر المساء، لا يجهل الخطر الذي يكتنفه، هو شخصيا، كما يكتنف سواه. لكن هذا الإنسان المتمرس بمواجهة الخطر، لم يبلغ وقتها حد الاعتقاد، بأن أوان اغتياله قد حان". فيصل حوراني


- "أصغيت إلى أبو علي مصطفى، بعد الهجوم الإسرائيلي على جنين، يدلي بحديث إلى الـ«بي.بي.سي» العربية ويقول فيه، بصلابته المعهودة، أن إسرائيل ستدفع الثمن غالياً بالدماء إذا حاولت العودة إلى الاحتلال وان جنودها ودباباتها سيواجهون بالرصاص. أمس، ظهراً، سمعت على الـ«بي.بي.سي» نعيه في رام الله. وأمس تذكرت ذلك السؤال الساذج، البالغ السذاجة، الذي خطر لي عندما عاد أبو علي مصطفى إلى رام الله: ماذا ذهب الزعيم الجديد للجبهة الشعبية يفعل هناك؟ لقد ذهب يناضل هناك. وذهب يستشهد هناك". سمير عطا الله


- "عاد «أبو علي» مصطفى إلى التراب الذي يحب. بهجة القاتل لن تدوم طويلا. غداً، يعشب قبره وتتطاول قطرات دمه شجرا عنيدا سامقا، يرد الظلم عن القرى والنوافذ والأطفال حكاية كحكاية خليل الوزير ووديع حداد، حكاية رجال يتقدمون الصفوف حتى الاحتراق. حكاية رجال يهزمون قبورهم". غسان شربل

‏ليست هناك تعليقات: