مذبحة خان يونس


بقلم المستشار محمد يحي/ عبد الرحمن الفرا

رئيس جمعية القلعة لرعاية التراث 


] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[  البقرة/ 155 – 157    

  * يبدو أن مجازر اليهود المتتالية أصبحت قدر الشعب الفلسطيني ومذابح اليهود في خان يونس كثيرة إحداها هي مجزرة 1956 التي راح ضحيتها أكثر من 500 شهيدا معظمهم من الشباب. 


    *كانت الأحداث الأخيرة قد أخذت منحى تصادمي بين مصر عبد الناصر من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى .. خصوصا بعد أن قام الرئيس جمال عد الناصر بتأميم قناة السويس وتقديمه الدعم الكامل والشامل للثورة الجزائرية ... فبدأت التعبئة الإعلامية عبر وسائل الإعلام ... ما لبثت إسرائيل أن انضمت إلى بريطانيا وفرنسا لتصنع بذلك حلفا ثلاثيا ... جاء ذلك بعد زيادة العمليات الفدائية الفلسطينية ضد إسرائيل عبر غزة بمساعدة مصر وبقيادة الشهيد البطل / مصطفى حافظ ... كل هذه العوامل مهدت لما يسمى بالعدوان الثلاثي على مصر وقطاع غزة ... الذي بدا في نهاية شهر أكتوبر وبداية شهر نوفمبر ... حيث بدأ اجتياح الأراضي المصرية عبر مدينة بور سعيد والإنزال الجوي وقصف الأساطيل لمنطقة قناة السويس .. واجتياحا أخر من قبل الجيش الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء بالإضافة إلى قطاع غزة .. ونحن في هذا المقام لا نريد أن نعترض ما حدث في هذه الحرب على جبهاتها المختلفة ولكننا نريد أن نركز على ما حدث لمدينة خان يونس في بداية هذه الحرب ...     

      *حيث بدأ الجيش الإسرائيلي  الهجوم على كامل قطاع غزة برا وبحرا وجوا .. بادئا بالقصف الشديد بمدفعيته ودباباته وطائراته السوبرمستير احدث ما أنتجته ماكينة الصناعات الحربية الفرنسية .. يوازي هذا القصف توغلا  في أراضي القطاع عبر عدة محاور لاستكشاف قدرة القوة العسكرية ومراكز تواجدها على أراضي  القطاع وخلق حالة من الفوضى تساعد الإسرائيليين في تحقيق بعض الأهداف ..

كان اشد مواجهات هذه المحاور .هو محور خان يونس باعتبار أن القيادة العسكرية للقوات الفلسطينية المصرية بقيادة الفريق أول يوسف العجرودي الذي أصبح فيما بعد الحاكم العام لقطاع غزة.. كانت في خان يونس كذلك قيادة القوات الفدائية بقيادة الشهيد / مصطفى حافظ... استطاعت دبابات القوات الإسرائيلية دخول المدينة إلا أنها سرعان مإندحرت نتيجة الضربات المؤلمة التي ألحقتها بها المقاومة التي تشكلت من القوات السابقة الذكر وبعض المتطوعين من أبناء المدينة .. لتعود إسرائيل بدك المدينة محاولة  دخولها مرة أخرى . إلا أنها لاقت ما لا قته في المحاولة الأولى واندحرت مرة أخرى بعد أن كبدتها خسائر كبيرة في الدبابات والأفراد .   

     *تكررت هذه العملية عدة مرات على مدى 6 أيام حتى تمكنت القوات الإسرائيلية من المدينة ودخولها ... وهنا بدأت مجزرة خان يونس التي وصل عدد شهداءها إلى أكثر من 500 شهيد غطوا بدمائهم الزكية جميع مناطقها .. الشرقية والبلد والمعسكر...



        نهاية المعركة وبداية المجزرة ...

      *بعد أن تمكنت القوات الإسرائيلية من المدينة وانتهاء المعركة  ولجوء نسبة كبيرة من الأهالي إلى منطقة المواصي للاختفاء تحت أشجارها ولتوفر المياه الصالحة للشرب فيها... استطاع الوالد عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس العودة إلى البيت قادما من مقر قيادة القوات بقيادة الفريق اول يوسف العجرودي وبرفقته حاكم خان يونس المدني البكباشي محمود داوود التنير  وهيئة أركانه من ضباط وجنود بالإضافة إلى الملازم أول المشرف عبد الغني مصطفى و ضابط بوليس خان يونس احمد الزين "أبو الأديب" وبرفقته عدد لا بأس به من رجال الشرطة والدكتور خيري ابو رمضان وزوجته الدكتورة دلال  وكذلك لجأ إلى المنزل عدد كبير من شباب العائلة وشباب المنطقة من الجيران وكذلك مجموعة من شباب المعسكر . حتى وصل عدد المتواجدين في المنزل إلى حوالي 60 رجل وشاب بما فيهم العسكريين بكامل لباسهم العسكري وأسلحتهم... جميعهم مكثوا في الدور السفلي "الأرضي" حيث أن المنزل مكون من 3 ادوار ، بدأنا نسمع زخات الرصاص وصرخات النسوة والأطفال ...عرفنا بعدها بان اليهود يدخلون المنازل ويأخذون الشباب ويقتلوهم بعد رصهم ووجوههم للحائط... عرفنا ذلك من بعض العجائز من النسوة اللاتي كن يطرقن الأبواب ويوصون السامع بضرورة إخفاء الشباب لان اليهود يسوقوهم ويقتلونهم.      

     * كان الوضع قد أصبح رهيبا . رعبا وإرهابا وبغيا وتجبرا من عدوا لا يرحم ولا يعترف بأخلاقيات الحروب ومعاهداتها ومواثيقها الدولية. بجانب هذا كله كانت مشكلة المياه والغذاء قد أخذت تتفاقم لمدة أكثر من 6 أيام ، توقف إمداد المنازل بالمياه . والذي خفف من وطأة ذلك هو أن شهر نوفمبر عادة ما يكون باردا مما يقلل من الشعور بالظمأ وكذلك وجود خزان ماء صغير لدينا في البيت لا تتعدى سعته 1 م3 مكون من عدة براميل موجودة في الدور الثالث للمنزل مما فرض على الجميع الاقتصاد في استخدام الماء. أما المأكل فلقد كانت الوالدة رحمها الله وهي السيدة المصرية كريمة الشيخ الأزهري... تقوم بعجن الطحين وجعله كرات صغيرة ومن ثم تقوم بوضعه في الزيت المغلي حتى يصفر لونه وتقوم بتسليمه  لنا لتقدمه إلى المتواجدين في المنزل .
   

       *استمر هذا الوضع يوما كاملا حتى سمعنا قصفا مزلزلا للبيت اعتقدنا من شدته أن المنزل قد انهارت أدواره العليا ... تبين لنا فيما بعد أن الدبابات الإسرائيلية قامت بقصف المنزل بعدد3 دانات فتحت عدة فتحات في حوائط الدور الثاني والثالث . امتنع الوالد عن ترميمها من الخارج فيما بعد وحولها إلى نوافذ من الداخل لتظل ذكرى لذلك العدوان . 

بعد عملية القصف بحوالي 30 دقيقة سمعنا طرقا على الأبواب . استوضح الوالد عن الطارق . أجاب أنا أبو حمدي الدنديس "كان لاجئا سياسيا وهو مجاهد من الخليل " ومعي ضابط من الجيش الإسرائيلي يريد مقابلتك . قام الوالد بفتح الباب خارجا إلى الشارع " وكنت عندها بجواره وأنا طفل لم يتجاوز عمره 11 عاما .



 وكأنه يريد أن يدهم هذا الضابط الذي تراجع للخلف واخذ وضع الركبة والنصف . طالبا من والدي الوقوف وقف الوالد . كان هذا الضابط حوله مجموعة كبيرة من الجنود وكان في بداية الشارع عدد من الدبابات وقد وجهت مدافعها إلى المنزل ... سأل هذا الضابط "عرفنا فيما بعد ان اسمه بن يمين حيث انه أصبح الحاكم العسكري لمدينة خان يونس " سأل الوالد هل أنت رئيس البلدية .. أجاب الوالد .. نعم .. قال له الضابط القائد يريد أن يقابلك .. فأجابه لا مانع لدى ولكن يجب أن أكمل ارتداء ملابسي فسمح له بدخول المنزل .. كان كل من في المنزل يترقب ما الذي يحدث ... توجه الوالد إلى حاكم خان يونس محمود التنير واخبره بما حدث . استوضح الحاكم من الوالد .. هل هو ضابط أم جندي؟ .. اخبره الوالد بأنه ضابط عندها طلب الحاكم من الوالد أن يخبر هذا الضابط الإسرائيلي عن وجودهم رفض الوالد واستكثر أن يتم اسر هؤلاء الضباط والجنود من بيته كيف وهو المجاهد الكبير الذي قاد المقاومة في 1936 وما قبلها وما بعدها وهو عضو الهيئة العربية لفلسطين وعضو اللجنة المركزية للحزب العربي الفلسطيني بقيادة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني "طيب الله ثراه" وهو الذي نفته بريطانيا إلى سمخ"طبرية" ... هنا أعاد الحاكم المصري الطلب من الوالد بضرورة تنفيذ طلبه خشية أن يأتي جنود عاديين ويقومون بقتل كل من في المنزل .. بكى عبد الرحمن الفرا عندها بكاء الرجال مكررا حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله وتوجه للضابط اليهودي واخبره بوجود من هم في المنزل ... وافق الضابط على أن يخرجوا فرادى رافعين أيديهم إلى أعلى وممسكين بأسلحتهم من فوهاتها .. وبالفعل تم ما أراده هذا الضابط وخرج كل من كان يرتدي زيا عسكريا ويحمل سلاحا .. يرافقهم بالطبع والدي عبد الرحمن الفرا .. أخذوهم إلى الشارع الرئيسي واصطفوهم وطلبوا منهم السير دون النظر والالتفات لليمين واليسار والخلف حيث كان الجنود الاسرائيلين يسيرون من خلفهم ويقومون بتوجيه مسارهم ..

 في الطريق من المنزل إلى مركز الشرطة الذي اتخذه اليهود مركزا لقيادتهم بدأت تظهر ملامح جرائم الجيش الإسرائيلي... قتلى في الشوارع والمحلات التجارية مفتوحة ومنهوبة من قبل الجيش الإسرائيلي وحالة من الوجوم والرعب تسود المدينة .. وصلوا للمركز وهناك تم فصل العسكريين عن الوالد لإكمال عملية إجراءات الأسر الخاصة بهم تاركين  الوالد منفردا في غرفة وعليه حراسة .. كان احد الحراس يقف مواجها للوالد .. وجها لوجه وكانت نظراته فيها الكثير من العدوانية والتوتر ... أراد الوالد أن يكسر حده الصمت والرعب .. فسأل ذلك الجندي .. هل تعرف العربية .. فأجاب الجندي بنعم .. قال له لما أنت متضايق .. نظر هذا الجندي للوالد وقال له أنا لم أحقق طلب والدتي ووصيتها التي أوصتني بقتل عشرين فلسطيني عربي حيث إنني لم اقتل حتى ألان سوى 19 فلسطيني .. فقال له الوالد لماذا لا تقتلني وبذلك تكمل رقم العشرين وتحقق وصية والدتك... عند ذلك تجهم وجه هذا الجندي القذر مزيحا  نظره عن الوالد .    

      *بعد انتهاء الضباط الاسرائيلين من إجراءات عملية الأسر للضباط والجنود المصريين  حضر الحاكم للوالد يطلب منه مرافقته لمقابلة القائد " عرفنا بعد ذلك ان رتبته واسمه سيغان آولوف حاييم غاؤون الذي أصبح فيما بعد الحاكم العام لقطاع غزة طيلة اربعة اشهر هي مدة الاحتلال وعندما أصبح الوالد في مواجهته اراد هذا القائد محادثة واستجواب الوالد... أوقفه الوالد قائلا له ... قبل كل شئ وبصفتي رئيسا منتخبا لبلدية خان يونس فأنا مسئول عن المدينة وأهلها وتأمين احتياجاتهم وخدماتهم .. ولقد رأينا ونحن قادمون إليك .. الجثث في الشوارع والكلاب والقطط تنهشها ورأيت المحلات مفتوحة ومنهوبة "كل ذلك تم من قبل الجيش الإسرائيلي " .. كذلك المدينة بلا ماء منذ أكثر من 8 أيام والأهلي يحتاجون إلى الماء والى دفن القتلى وإغلاق محلاتهم وأمور أخرى ... لذلك فإنني أطالبكم بتلبية هذه الطلبات .. وافق هذا القائد على طلبات رئيس البلدية مكلفا الحاكم بن يمين بمرافقة الوالد وضابط الشرطة الفلسطيني احمد الزين "أبو الأديب " لقد جاءت طلبات رئيس البلدية انطلاقا وانسجاما مع مبدأ وفلسفة ما جاء على لسان سيدنا عبد المطلب جد الرسول مخاطبا ابره الحبشي... "أما الإبل فأنا ربها وأما البيت فله رب يحميه ..."      

      *خرج عبد الرحمن الفرا ومرافقه الضابط احمد الزين مع الحاكم الاسرائيلي بن يمين في سيارة جيب مكشوفة كان يقودها الحاكم اليهودي بنفسه .. في مهمة البحث عن ميكانست موتورات ابار مياه البلدية .. فتوجهوا إلى منزله ولم يجدوه حيث أن الكثير من سكان المدينة قد غادروها متوجهين إلى منطقة المواصي المحاذية للبحر للاختفاء بين أشجارها ولوجود المياه فيها .. وبعد السؤال والتحري حددوا مكانه وإحضاره ومن ثم تشغيل الموتورات ودخول امياه للمنازل لأول مرة منذ بداية الحرب ..      

     *أثناء عملية التجوال في شوارع المدينة بدأت الحقيقة المرعبة بادية لعبد الرحمن الفرا رئيس البلدية .. عشرات الجثث في الشوارع والنهب والتخريب كان باديا في جميع أنحاء المدينة والروائح تفوح من كل جانب.. وأثناء عملية التجوال وجد عبد الرحمن الفرا 3 مجموعات كبيرة من الأهالي كان الجيش قد جمعهم ووضع عليهم حراسة مشددة .. فسأل الوالد الحاكم الإسرائيلي لماذا هؤلاء الناس هنا ..؟ قال له الحاكم .. هؤلاء مخربين.. فاعترض الوالد على ذلك وحدثت مشادة بينه وبين الضابط اليهودي قائلا  له ... هؤلاء معظمهم عواجيز ونساء وأطفال فانتم قتلتم معظم الشباب ويجب أن يعود هؤلاء إلى منازلهم . فقال له الحاكم ...على مسؤوليتك وهل تضمنهم... أجاب رئيس البلدية بالموافقة ...عندها أمر الحاكم الضابط الإسرائيلي بالسماح بعودة الناس إلى بيوتهم ... عندئذٍ حدثت التناقضات كلها فلقد تعالت الأصوات من هؤلاء الأهالي فمنهم من كان يكبر وبعض النساء تزغرد فرحين لان أسرهم لم يمسها  سوء ومنهم من كانت تبكي وتصرخ لفقدانها عزيز عليها زوج أو أخ أو ابن .     

     *استمر عبد الرحمن الفرا يجاهد ويعمل على تحقيق مطلبه بدفن الشهداء وإغلاق المحلات حتى ووفق على طلبه والسماح للأهالي بالتجول لمدة ساعة ... خرج الناس إلى الشوارع لقضاء حوائجهم ودفن شهدائهم وعاد الهاربين إلى منطقة المواصي إلى منازلهم ... كانت المشاهد في الشوارع مؤثرة كل إنسان منهم كتبت له حياة جديدة ... يأخذون أنفسهم بالعناق والبكاء على ما فقدوه من أحباء وأعزاء ...إخوان وأبناء وأحفاد .. وعلى ما عانوه من ظلم وإرهاب وما لا قوه من خوف وقصف شديد من الدبابات والرشاشات والطائرات الفرنسية الملعونة...

حيث كانت فرنسا الداعم الأكبر عسكريا لإسرائيل في حينه وفي نفس الفترة بالتعاون النووي الإسرائيلي الفرنسي وتم إنشاء المفاعلات النووية الإسرائيلية بالخبرة الفرنسية وكان منسقها من الجانب الإسرائيلي شمعون بيرز الرئيس الإسرائيلي الحالي والحائز على جائزة نوبل للسلام ...     

     *في اليوم التالي طافت الميكروفونات شوارع المدينة تطلب من كل الرجال من سن 16 سنة فما فوق التوجه إلى ساحات محددة وكل من يتأخر يعرض نفسه للقتل . خرج الرجال إلى هذه الأماكن ووضعوا عليهم حراسات شديدة ومن ثم سمحوا للجيش باستباحة المنازل ... فدخلوا المنازل وعاثوا فيها فوضى وسرقة وتنكيلا ومنزل عبد الرحمن الفرا رئيس البلدية مثالا على ذلك حيث دخل الجنود إليه واصطفوا زوجته وأولاده وبناته بجوار الحائط وبدءوا في تفتيش المنزل ..كان عبد الرحمن الفرا يحتفظ بمعظم هداياه التي تهدى إليه من الأقارب والأصدقاء في خزانته أو بوفيه صغير . سرقوا هذه الهدايا جميعها وسرقوا عدد 2 سيف احدهم جرابه من الفضة المرصعة بالأحجار الكريمة والأخر كان من الجوهر ولم يكن احد يعرف في العائلة لأي  جد من جدود العائلة هذا السيف بالإضافة إلى سرقتهم لخنجر ذا قيمة عالية "شبريه" مرصع بالأحجار الكريمة بالإضافة إلى بعض الأشياء الأخرى حتى وصلوا إلى مكتبته وعثروا فيها على مجموعات الصور الخاصة به مع الرؤساء والملوك ورجالات الأمة العربية والإسلامية أمثال الشهيد / حسن البنا والرئيس جمال عبد الناصر . والبطل احمد عبد العزيز والشهيد مصطفى حافظ .     

      *كان عدد الصور التي أخذوها حسب تقدير الوالد لا تقل عن 50 صورة... وكذلك صادروا سيارته السوداء وهي من نوع دودج أمريكية الصنع حيث أنها الوحيدة التي أعادوها من بقية المسروقات ولكنهم ،أعادوها بحالة رثة بعد إن سرقوا منها الكثير من الإكسسوارات مثل الراديو وخلافه .      

      *لقد كانت فترة عصيبة على الجميع وخاصة على عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس الذي تحمل المسؤولية على أكمل وجه يساعده في ذلك مجلس بلدي كريم حقق وحدة المدينة أمام طغيان وجبروت الاحتلال رغم بلواهم التي أصابتهم فلقد فقد عبد الرحمن الفرا بن شقيقه قاسم سعيد محمد الفرا موظف البلدية 25 سنة وكذلك الشهيد علي سليمان حسن الفرا 32 سنة وكذلك الشهيد سليمان رزق هنداوي الفرا 35 سنة وكذلك الشهيد قاسم عبد الله الفرا 30 سنة ... وكذلك فقد نائبه الحاج عيادة بربخ أبناءه الشهيد مجدي بربخ" ابو فيصل " وكان احد سكرتارية البلدية وكذالك ابنه عطا بربخ "المدرس" .. حتى وصل عدد شهداء المدينة إلى حوالي  413 شهيد حسب ما جاء في يوميات عبد الرحمن الفرا  ... حيث ان أسماءهم وصورهم التي  جمعها قد طلبها منه سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني وعندما بدا الأستاذ  / سليم عرفات المبيض في إعداد كتاب يوميات الوالد عبد الرحمن الفرا عرف من خلال قراءته لهذه اليوميات عن صور هؤلاء الشهداء فسألني عنها وعلى ضوء ذلك قمت بدوري  بالاتصال بالأستاذ محيي الدين الحسيني زوج كريمة الحاج أمين الحسيني وسألته عن أرشيف الهيئة العربية العليا فأجابني بأن اليهود وبالتعاون مع بعض القوى اللبنانية قاموا عام 1982 عند احتلال بيروت بنهبها ومن ثم قاموا بنسف مقر الهيئة العربية العليا لفلسطين الكائن بالمنصوربة – سن الفيل في جبل بيروت أي ان صور هؤلاء الشهداء قد فقدت.

الخاتمة :

ترسخت هذه الصورة وهذه الأحداث وغيرها في الذاكرة من خلال إعادة ذكرها من الوالد وهو يقصها على الأقرباء والأصدقاء ومن خلال يومياته التي دونها يوميا بخط يده حيث بدأ تدوين يومياته منذ 1936 وحتى 1962 "

 أن عقل الطفل عادة ما يسجل الأحداث بعفوية وكلما زادت قوة هذه الأحداث فان تسجيلها يصبح كالنقش على الحجر ... هذا ما حدث معي في أحداث العدوان الإسرائيلي على خان يونس عام 1956 والمجازر التي حدثت التي لا يوازيها في التاريخ سوى مجازر هولاكو الشهيرة وبهذه المجازر اصبحت اسرائيل قلب الإرهاب العالمي .    

     *لقد حاولت مرات عده وضع مجزرة خان يونس المنسية على اجندة المجازر التي نفذها اليهود ضد الشعب الفلسطيني بما تحويه من صور رهيبة ... وكيف جمعت جرافات اليهود عشرات جثث الشهداء تقذف بهم في احد الخنادق التي حفرت في ساحة الشهداء أمام قلعة خان يونس المغتصبة ومن ثم دفنهم حيث كانت السماء تمطر مطرا شديدا.. ليتصور الإنسان كيف كانت حالة التربة التي ردموها فوق هؤلاء الشهداء  الأبرياء وكيف كانت الجرافات تموج وتلوص فوقها .           

     * من معارك المدينة يجب أن نذكر ملحمة الشهيد البطل احمد أبو ألكاس بطل معركة خان يونس 1956 الذي تمترس فوق بناية أبو دقة واخذ يكيل لليهود ما يستحقونه وأبلى بلاء عظيما وعندما تمكنوا من هذا الشهيد المغوار قاموا بإلقاء جثمانه الطاهر من فوق هذه البناية .. ثم توجهوا بعد ذلك إلى إحدى شقق هذه البناية وكان يقطنها مجموعة من الأطباء المصريين.. قاموا بقتلهم جميعا . وبعد هدوء الوضع نوعا قام الوالد واحضر سيارة البلدية وبمساعدة بعض المرافقين من موظفين البلدية قام بدفنهم في مدافن الشهداء بخان يونس.. وبعد خروج اليهود من القطاع حضرت اسر هؤلاء الأطباء ونزلوا في منزل عبد الرحمن الفرا رئيس البلدية ثم رفع رفاتهم وأخذوها إلى مصر لتدفن هناك في مدافن أسرهم " وأسماء هؤلاء الأطباء سوف تذكر في كتاب يوميات عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس الذي يعده المؤرخ الفلسطيني الكبير الأستاذ / سليم المبيض " . 

     *هناك أشياء يجب أن تذكر منها كيف وصل أبو حمدي الدنديس مقتاداً من قبل الجيش الإسرائيلي حيث قصها بنفسه على الوالد فقال له كان الجنود الإسرائيليين قد جمعوا عددا من الرجال واصطفوهم ووجوههم للحائط وقبل بدء إطلاق النار وقف جيب عسكري .. سمعت من فيه ينادي ويسأل من يعرف منزل رئيس البلدية فأجبته أنا ."والحديث لابو حمدي الدنديس" ..فقال تعال خرجت من طابور القتل وطلب مني ذلك الضابط الركوب في سيارته الجيب وبمجرد ركوبي السيارة تم اطلاق النار على من كانو معي واستشهدوا جميعا قائلا لوالدي "يعني اسمك يا أبو اسعد كتب لي عند الله عمراً جديدا "

    

      *كذلك قصة مسدس حاكم خان يونس البكباشي محمود داود التنير حيث قام بتسليمه للوالد قبل أسره . ورغم أن اليهود قد صادروا جميع أسلحة الوالد التي كان عددها 6 قطع من رشاشات وبنادق ومسدسات جميعها كانت مرخصة ودفاتر الترخيص أصبحت في حوزة اليهود... جميع هذه الأسلحة مع باقي الأسلحة البيضاء السيوف والخنجر جميعها كان لها قيمة ومعزة خاصة عند الوالد إلا انه أخفى مسدس الحاكم المصري طيلة مدة الاحتلال حتى حدوث الانسحاب حيث توجه الوالد للعريش وقام بتسليم المسدس إلى الحاكم المصري بنفسه وظلت العلاقة قوية بين الوالد وبينه وباقي الضباط والفريق يوسف العجرودي حتى وفاه الوالد .   

    *ثم استمرت الحياة لتبدأ المقاومة ومن ثم الانسحاب وهبة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة مطالبا بعودة الإدارة المصرية رافضا التدويل ... وكان له ما أراد لتعود الإدارة المصرية يوم 14 مارس 1957 حيث قام يومها نائب الحاكم العام لقطاع غزة بتسليم رئيس البلدية عبد الرحمن الفرا العلم ليرفعه على سارية مركز المدينة "انظر الصورة" وسط هتافات وتكبير وتهليل الجموع الغفيرة من الشعب ووسط إطلاق النار الكثير من المقاومين . وكان الهتاف الأول لهذه الجماهير يمثل اعتزاز هذا الشعب بكفاحه ...

”خان يونس يا بور سعيد ...كفاحك كفاح مجيد"

      *أن التاريخ أمانة عظيمة في أعناق المؤرخين ... ونحن كشعب فلسطيني أساس معركتنا هو التاريخ ونرى كيف يتلاعب أعداؤنا في التاريخ ويعملون على تزويره لذلك يجب أن نتحرى الدقة والنزاهة والتجرد والأمانة عند كتابة التاريخ وتسجيل الأحداث وعلى المؤرخ بالإضافة إلى ما سبق عليه أن يتحلى أيضا بالحيادية ... لان في التاريخ حقوق فالشئ بالشئ يذكر ولا يصح أن يبقى تاريخنا تحت رحمة الافاكين والمنافقين والوصولين ولنا في سيره مفتى فلسطين المجاهد الحاج أمين الحسيني ورجالات الهيئة العربية العليا  لفلسطين الذين افتري عليهم في حقبه من الزمان لنا منهم وفي غيرهم عبرة ومن أمثال ذلك السلطان عبد الحميد سلطان الدولة الإسلامية العثمانية العليا المفترى عليه أيضا من قبل اليهود.ويوميات المجاهد عبد الرحمن الفرا التي ستؤرخ هذه المنطقة من فلسطين سوف تدحض أي ادعاء كاذب لتضع النقاط فوق الحروف لمعظم  الأحداث .
إرسال تعليق

المشاركات الشائعة