الشهيد القائد كمال عدوان

كان الشهيد كمال عدوان الذي سقط مع رفيقيه كمال ناصر ومحمد النجار برصاص الموساد الإسرائيلي قبل 38 عاما، مقاتلا عنيدا مبتكرا، وصاحب طلة بهية ظل يردد طوال حياته 'حتى تكون قوميا وحتى تكون أمميا، لا بد أن تكون فلسطينيا أولا'.
وقبل استشهاده بثلاثة أشهر فقط، وفي الدورة الحادية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وقف ضد كل المشاريع التي تستهدف قضية شعبنا في تحرير وطنه، ورفض الحلول الجزئية وتصدى لهذه المشروعات بالكفاح والنضال السياسي الجماهيري، ويومها قال قولته الشهيرة: 'نعيش بأملنا فنحوله إلى حقائق.. ويعيشون بيأسهم فيستسلمون'.
ولد الشهيد القائد واسمه 'أحمد كمال' عبد الحفيظ علي عدوان، في قرية بربرة القريبة من مدينة عسقلان عام 1935، وكان الجميع يري في عيني ذلك الصغير براعة وجرأه لا تتمثل في غيره من الصبيان، فكان عنيدا في طباعه مفعما بالحيوية والنشاط وكان لا يهاب أي شيء .
بعد نكبة عام 1948، انتقل للعيش في قطاع غزة حيث درس في مدارس القطاع في مدينتي رفح وخان يونس، وبعدها انتقل إلى مصر لإكمال المرحلة الجامعية حيث التحق بكلية الهندسة.
وبعيدا عن التجاذبات السياسية العربية التي سادت بعد النكبة الفلسطينية، اختمرت في ذهن الطالب المكتوي بنار اللجوء، فكرة العمل الفدائي، فأسس في عام 1954 خلية مستقلة ضمت اثني عشر شابا، شكلت فيما بعد النواة الأولى لحركة فتح. 
وعندما خرج عدوان من غزة إلى مصر كان قد أسس قبل ذلك مجموعة مقاومة نشطة لعدوان 1956 وهذه فتحت له آفاق معرفة أشخاص آخرين مثل أبو عمار وأبو جهاد 'خليل الوزير' وأبو يوسف النجار وآخرين.
ولظروف اجتماعية ومالية ترك كمال عدوان الدراسة في مصر بعد سنتين، ولكنه عاد لينهي المرحلة الجامعية وحصل على شهادة (هندسة البترول)، ومن ثم غادر مصر متجها إلى السعودية، وهناك بدأ بإنشاء تنظيم حركة فتح حيث يعتبر أول المؤسسين لتنظيم حركه فتح في السعودية، بعدها انتقل إلى قطر وقاد التنظيم هناك. 
وللشهيد أعمال رائعة في بناء النواة الأولى لحركه فتح حيث إن القيادة الفلسطينية اختارته لتسلم مكتب الإعلام في منظمة التحرير، وبهذا كان خير من تسلم الأمانة فقد عمل على البحث عن كل طاقة ثورية ليُجسدها في هذا المكتب واستقطب أبرز الصحفيين ورواد الكلمة من العرب والأجانب من أجل خدمة القضية الفلسطينية.
لقد عرف الشهيد عدوان بأنه من (رواد الطليعة) فهو عنوان العناد والإصرار والفعل الصامت على الأرض وفي الميدان، وصاحب الفكر الخلاق، حيث يعزى له فكرة إنشاء الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد نكسة 1967، وتدعيمها لتشكل رافدا من روافد العمل الوطني المقاوم للاحتلال.
واهتم الشهيد عدوان بالشأن الطلابي وأولاه اهتماما خاصا، حيث كان يحث الطلاب على العمل السياسي على أرض الواقع والمظاهرات، وركز على دعمهم بما يؤهلهم للقيام بذلك ومن تنشيط اللجان الطلابية أيضا.
وأبى عدوان أن يكون طرفا في نزاع، فرفض أن يحكم قبل اكتمال جميع جوانب القضية، ولم يناصر حتى المقربين إليه على أحد، وعاش حياته عيشة الكفاف بين المناضلين وفي معسكراتهم واهتم بإزالة أية حواجز بين المناضلين وقيادتهم، وكان يحترم حتى الذين اختلفوا معه وناصبوه العداء وكان لا يتردد في قول الحق .
 لقد شغل الشهيد عدوان عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح وكان المسؤول العسكري لفتح في الأراضي المحتلة 'مسؤول القطاع الغربي'.
 تزوج عدوان عام 1965 ورزق بطفلين (دانا ورامي)، وترك العمل المهني وتفرغ للعمل الثوري عام 1968، واستقر في عمان وتقلد مهمة الإعلام في البداية وأنشأ جريدة فتح، وبعد أحداث أيلول 1970 انتقل إلى بيروت وأعاد ترتيب العمل داخل الأرض المحتلة، وهو ما أزعج سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
كان الشهيد عدوان صاحب الطلة البهية، وحرص على تقليص عوامل الطرد وتنميه عوامل الجذب، وكان والقائد أبو عمار، يرفضان أن يكون هناك سجن للمقاتلين بل مدرسة للإصلاح الثوري كان يسمع ويبتسم حتى في أحلك المواقف والظروف .
وقد عكست قيادة الشهيد عدوان إنسانيته كرجل، وإنسانيته كمناضل فقد كان رغم موقعه الكبير وصلاحياته المطلقة كان يقبل بصدر رحب الانتقادات إذا كانت تقود إلى مزيد من الحوار أو سلامة اتخاذ القرار ويشعر جميع المناضلين بأن المسؤولية مشتركة ويزرع الثقة في نفوسهم .
ومن إنجازات الشهيد عدوان فإنه ابتكر نوعا جديدا من عمليات التنظيم المتوازي بحيث تكون كل مجموعة مقطوعة ولا تعرف عن المجموعات الأخرى شيئا، ويكون اتصالها المباشر مع القائد عدوان مباشرة دون الكشف عن بقية المجموعات أو معرفتها.
وكان الشهيد حكما وملاذا للجميع، فكان معالجا فذا للمشاكل العائلية وغير العائلية حتى الخلاف الذي ينشأ بين المناضلين أو القيادات كان لا يستعصي عليه حله.
شجع القائد الشهيد التعلم خلال العمل وكان مهتما في التطوير والتقدم لحركة فتح من خلال تطويره للنشرات التي كانت تعرض على الإذاعة الفلسطينية التي بثت من القاهرة وتطويره للاتصالات الخارجية وللعلاقات الخارجية أيضا فقد كان يعمل وينظم ويقود في إيمان وثقة.
ووضع عدوان نصب عينيه قضية تحقيق إنجازات فعالة وملموسة داخل الأرض المحتلة من أجل إخراج الوضع من أزمته، واستنهاض الوضع الفلسطيني.
كانت أولوياته وأهدافه ضرورة أن يشعر العالم بثقل المعاناة الفلسطينية وتطوير حركة فتح، وأن يشعر الاحتلال الإسرائيلي في تلك الفترة أن الذراع العسكري للثورة الفلسطينية، قادرة على الوصول إلى أي مكان في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وبفضل عمله الدؤوب نجح في إدخال عدة مجموعات للعمل داخل الأراضي المحتلة، وساعد هذا البناء التنظيمي في تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الإسرائيلية. 
واعتمدت خلايا الداخل في حربها على العبوات والتفجيرات كأسلوب رئيس بدلا من حرب العصابات ما أوقع في صفوف القوات الإسرائيلية خسائر فادحة وقللت الخسائر في الجانب الفلسطيني.
وساهم الشهيد عدوان في تنظيمه لخلايا الداخل الفلسطيني بشكل متوازن، وهو ما كان سببا في التخفيف من الاعتقالات في صفوف المقاومين حيث قامت مجموعة من هذه المجموعات بمهاجمة أربع مستوطنات بأربعين مناضلا وكانت المعركة موفقة وناجحة بشكل كبير جدا ورائعة جدا، ولم تكن هناك أية خسارة للمقاومين.
وإضافة إلى مسؤوليته للقطاع الغربي، سمي عدوان مفوض الأرض المحتلة في مركزية 'فتح' حيث أصبح 90% من عمله تنظيميا أكثر من كونه عسكريا.
كما أوكلت إليه الحركة مسؤولية قطاع الأرض المحتلة في مؤسسات منظمة التحرير، والإشراف على النضال فيه، واختير عضوا في عدد من اللجان الهامة منها اللجنة التحضيرية لاختيار أعضاء المؤتمر الشعبي الفلسطيني الذي عقد في القاهرة خلال شهر مارس/ آذار 1972. 
وتميز الشهيد بالصلابة والشدة والوضوح والقدرة على رؤية المختلف والتعامل معه بروح ديمقراطية عالية، وبهذه الروح استطاع النجاح في قيادة العمل حتى مع من يختلفون معه في الفكر والسياسة، كما في المنابت الحزبية الأيديولوجية.
وكان الشهيد يؤمن بقوة بأن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، ولذلك كان يتجنب الدخول في التفاصيل والهوامش، أو التلهي بما لا يجدي من النقاشات ليذهب إلى الهدف مباشرة.
لقد تسبب القائد كمال عدوان في إزعاج كبير للإسرائيليين ليس فقط لأنه استمر في قيادة الكفاح المسلح وتطويره والإبداع فيه ولكن لتركيزه على العمل السياسي وتنشيطه للحركة الطلابية وللجان الطلابية لكي تقوم بالمظاهرات وتهتم بالعمل السياسي. 
كما أن ما قام به من خطوات في الأرض المحتلة قض مضاجع الإسرائيليين، وأشعرهم بأنهم أمام قائد يجب عليهم أن يتخلصوا منه. وبعد عملية ميونخ أراد الاحتلال الانتقام فاستهدفوا قيادات فلسطينية في لبنان.
وفي العاشر من نيسان – أبريل عام 1973 استشهد القائد كمال عدوان في منزله في بيروت إثر هجوم قامت به وحدة إسرائيلية على بيروت، وهي العملية التي سميت بعملية فردان والتي استشهد فيها أيضا كمال ناصر وأبو يوسف النجار.
لقد قاتل الشهيد عدوان مهاجميه حتى الرصاصة الأخيرة في رشاشة الذي كان ملاصقا له واستطاع أن يصيب منهم قبل استشهاده، حيث دلت دماؤهم الغزيرة على ذلك، ومن حقد العدو الإسرائيلي عليه أطلقوا مائة رصاصة على جثته.
وقد عمت أوساط الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية والتقدمية في لبنان والوطن العربي وشتى أنحاء العالم موجة عارمة من السخط والأسى والحزن لهذا الاغتيال.
وفقدت الثورة الفلسطينية باستشهاده ورفيقي دربه، ثلاثة من القياديين والمناضلين في الساحة الفلسطينية.
يوم التشييع كانت بيروت، التي سميت يومها بحق، المدينة الثكلى، تشهد أضخم جنازة عرفها التاريخ اللبناني والعربي بعد جنازة الزعيم جمال عبد الناصر، ضمت أكثر من نصف مليون مشيع ضاقت بهم المساحات الممتدة من الكرنتينا حتى مقبرة الشهداء في منطقة الحرش المطلة على المطار الدولي'.
إرسال تعليق

المشاركات الشائعة